الشيخ محمد هادي معرفة
204
التفسير الأثرى الجامع
أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى بن عمران . فرأينا اللّه جلّ وعزّ قد أخبر عنهم أنّه كتب لهم الأرض المقدّسة ، ولم يخبرنا عنهم أنّه ردّهم إلى مصر بعد إخراجه إيّاهم منها ، حتّى يجوز لنا أن نقرأ : اهبطوا مصر ، ونتأوّله أنّه ردّهم إليها . قالوا : فإن احتجّ محتجّ بقول اللّه جلّ ثناؤه : فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ . كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ « 1 » . قيل لهم : فإنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما أورثهم ذلك فملّكهم إيّاها ولم يردّهم إليها ، وجعل مساكنهم الشأم . وأمّا الّذين قالوا : إنّ اللّه إنّما عنى بقوله جلّ وعزّ : اهْبِطُوا مِصْراً مصر ، فإنّ من حجّتهم التي احتجّوا بها الآية التي قال فيها : فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ . كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ « 2 » وقوله : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ . كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ « 3 » . قالوا : فأخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم ، فلم يكونوا يرثونها ثمّ لا ينتفعون بها . قالوا : ولا يكونون منتفعين بها إلّا بمصير بعضهم إليها ، وإلّا فلا وجه للانتفاع بها إن لم يصيروا أو لم يصر بعضهم إليها ! قالوا : وأخرى أنّها في قراءة أبيّ بن كعب وعبد اللّه بن مسعود : « اهبطوا مصر » بغير ألف ، قالوا : ففي ذلك الدلالة البيّنة أنّها مصر بعينها . والذي نقول به في ذلك أنّه لا دلالة في كتاب اللّه على الصواب من هذين التأويلين ، ولا خبر به عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقطع مجيئه العذر ، وأهل التأويل متنازعون تأويله . فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إنّ موسى سأل ربّه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بيّنه اللّه جلّ وعزّ في كتابه وهم في الأرض تائهون ، فاستجاب اللّه لموسى دعاءه ، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك ، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلّا القرى والأمصار وأنّه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه ، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر ، وجائز أن يكون الشام . فأما القراءة فإنّها بالألف والتنوين : اهْبِطُوا مِصْراً وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها
--> ( 1 ) الشعراء 26 : 57 - 59 . ( 2 ) الشعراء 26 : 57 - 59 . ( 3 ) الدخان 44 : 25 - 28 .